محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
217
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وما العلم إلا الحكمة المتلقاة مع السكون والدعة واعتدال الأمزجة ، أما رأيته عزل القاضي حين غضبه ، وكذلك يعزل حال طربه ، أما سمعت : فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا [ سورة الأحقاف : الآية 29 ] . فأين الطرب من الأدب ؟ والله ما رقص قط عاقل ، ولا تعرض للطرب فاضل ، ولا صغي إلى تلحين الشعر إلا بطر ، أليس بيننا القرآن ؟ وقد قال : طلبنا العلم لغير الله فأبى ، وذلك أن بداية الطلب صعبة فهو كلعبة المفطوم ثم يستغني عنها بقوة النهم فيدع الثدي تقذرا واستقذارا . وقال أيضا : هذه فتن ومحن دخلت على العقول من غلبات الطباع والأهواء ، وهل يحكم على العقول حق قط ؟ وهل رأيتم في السلف أو سمعتم رجلا زعق أو خرق ؟ بل سماع صوت وفهم واستجابة ، فدل على أن ذلك التخبط ليس من قانون الشرع ، لكن أمر بخفض الصوت وغضه ، وأما التواجد والحركة والتخريق فالأشبه بداعية الحق الخمود ، ثكلت نفسي حين أسمع القرآن ولا أخشع ، وأسمع كلام الطرقيين فيظهر مني الانزعاج ، هذا أدل دليل على أن الطباع تورث ما تورث من التغييرات ، وإن ذلك الكلام صدر عن طبع فأهاج طبعا ، وللحق ثقل ، فلا يغرنكم تحرك الطباع بالأسجاع والألحان ، فإنما هو كعمل الأوتار والأصوات ، وهل نهت ، الشريعة عن سكر العقار إلا لما يؤدي إليه من هذا الفساد وذكر كلاما كثيرا . وذكر الحافظ بن الأخضر فيمن روي عن أحمد في ترجمة إبراهيم ابن عبد الله القلانسي قال : قيل لأحمد بن حنبل إن الصوفية يجلسون في المساجد بلا علم على سبيل التوكل قال : العلم أجلسهم ؟ فقال : ليس مرادهم من الدنيا إلا كسرة خبز وخرقة ، فقال : لا أعلم على وجه الأرض أقواما أفضل منهم قيل إنهم يستمعون ويتواجدون ، قال : دعوهم يفرحون مع الله تعالى ساعة ، قيل فمنهم من يغشى عليه ومنهم من يموت فقال : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ سورة الزمر : الآية 47 ] . كذا روى هذه الرواية والمعروف خلاف هذا عنه . ولعل مراده أنهم يستمعون ويتواجدون عند القرآن فيحصل لبعضهم ما يحصل من الغشي والموت كما كان يحصل ليحيى بن سعيد القطان وعذره الإمام أحمد فلا يخالفه ، والله أعلم . فصل في سوء حال الاجتماع في المساجد في ليالي المواسم والذهاب في أيامها إلى المقابر هل يستحب الاجتماع للقراءة والدعاء ؟ سبق قريبا في ثلث الكتاب في الفصول من كلام